تشير المعطيات الحديثة إلى تحول محوري في موازين القوى التكنولوجية، حيث تقترب الصين من تجاوز الهيمنة الأمريكية المطلقة في مجال الذكاء الاصطناعي، معتمدة على استراتيجية تركز على الانتشار الواسع والسيادة المادية بدلاً من التفوق المطلق في النماذج الأولية.
يمثل إطلاق نموذج "ديب سيك" (DeepSeek) في مطلع عام 2025 نقطة تحول، إذ أظهرت بكين قدرتها على تحقيق أداء فائق بتكاليف تشغيلية منخفضة مقارنة بما تنفقه عمالقة وادي السيليكون، وهو ما يعكس فلسفة صينية جديدة ترتكز على الابتكار بكفاءة قصوى. ويُنظر إلى هذا السباق حالياً على أنه ماراثون طويل، حيث تراهن الصين على دمج الذكاء الاصطناعي في صلب اقتصادها الحقيقي عبر إيجاد مسارات بديلة للتغلب على القيود التقنية المفروضة من قبل الولايات المتحدة.
على الرغم من اعتماد الولايات المتحدة على الرقائق المتقدمة، نجحت شركات صينية مثل "علي بابا" و"مون شوت" في تضييق فجوة الأداء بفضل تحسين كفاءة الخوارزميات وجودة البيانات، مما يثبت فعالية النماذج الأصغر والأكثر تركيزاً. كما تمتلك الصين تفوقاً كمياً واضحاً في القوى البشرية المتخصصة؛ ففي عام 2022، منحت الصين أكثر من 50% من شهادات الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مقارنة بالولايات المتحدة، وسجل باحثوها ثلاثة أضعاف براءات الاختراع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
تكمن القوة الحاسمة لبكين في مفهوم "الذكاء الاصطناعي المجسّد" (Embodied AI)، حيث تتفوق في دمج الأنظمة الذكية في الأصول المادية كالروبوتات الصناعية والسيارات ذاتية القيادة، وهي تهيمن عالمياً على عدد الروبوتات المثبتة وتسيطر على سلاسل توريد المواد الخام الحيوية اللازمة للبنية التحتية الرقمية.
علاوة على ذلك، تتيح القدرة الهندسية الصينية بناء مراكز البيانات وتوسيع نطاق التقنية بوتيرة أسرع بكثير مما هو ممكن في الغرب. وتدعم هذه القدرة وفرة الطاقة؛ إذ تتوقع تقارير "غولدمان ساكس" أن تمتلك الصين فائضاً في توليد الكهرباء بحلول عام 2030 يعادل ثلاثة أضعاف الطلب العالمي المتوقع لمراكز البيانات، مما يوفر ميزة لوجستية لتشغيل الحوسبة الضخمة.
دولياً، تعتمد الصين استراتيجية "القوة الناعمة التقنية" عبر نشر نماذج مفتوحة المصدر، مما يتيح للأسواق الناشئة بناء أنظمتها الخاصة بعيداً عن الهيمنة السحابية الأمريكية، وتضع بذلك المعايير التقنية المستقبلية. وبناءً عليه، لا يُتوقع أن تُقاس الهيمنة المستقبلية بذكاء النماذج اللغوية فحسب، بل بمدى قدرة الدولة على دمج هذا الذكاء في المنتجات اليومية واستدامته عبر الطاقة والمواد الخام، مما يجعل الصين مرشحاً أقوى للظفر بلقب القوة العظمى في عصر الذكاء الاصطناعي.

